موقــــع

تسأل من ؟

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه
أما بعد : فإن هذا الموقع خصص لتلبية حاجة المسلم في مجال الفتوى ، فلا تتردد في كتابة ما تريد معرفته من أحكام الشريعة .
أخي الزائر : في هذا الموقع فتاوى تقدم بها مستفتون ، ففي مراجعتها فائدة لك فقد تجد فيها ما تحتاجه .
أخي الزائر : هذه الفتاوى هي وجهة نظر من الدكتور ، اختارها من أقوال العلماء ، أو فهمها هو ، ولا تعدو أن تكون فهما لنصوص الشريعة ، قابلاً للصحة والخطأ , فإن تكن صواباً فهو من توفيق الله ـ عزَّ وجلَّ ـ وإن تكن خطأ ، فأستغفر الله ـ عزَّ وجلَّ ـ منها ، وقد تكون هناك آراء تخالفها ، هي محترمة ، ولك أن تأخذ ما تطمئنُّ إليه مما تقرأ .

ذكر الله



هِزَّةُ زواج المسلمة من غير المسلم - مقالة فكرية فلسفية
د. محمود مجيد سعود الكبيسي : 2006-06-19 14:01:27

موضوع إسلام الزوجة، وبقاء زوجها على دينه، موضوع شديد الإلحاح، وكثير الوقوع في ‏البلاد الأجنبية، وثارَ ـ الآن ـ موضوعٌ آخرُ، فقد تحدث فضيلة الشيخ حسن الترابيُّ عن زواج ‏المسلمة من غير المسلم ابتداء، فأباحه.

وقد أثار رأيه هذا ضجةً في جميع الأوساط، وعلى مختلف المستويات، ثم كان منهم المؤيد ‏المتحمس لهذا الرأي ؛ لمجرد أنَّه وجد فيه تحرراً من أقاويلَ يرددها العلماء كما قالها السابقون، دون ‏تمحيص، ومنهم المنكر الغاضب الذي رأى فيه خروجاً على المذاهب الأربعة، وانتهاكاً لحرمة ‏الإجماع، فراحَ يَكيلُ للشيخ حسن الترابي التهم، ويصب عليه جام غضبه. ‏

‏ ويبدو ـ والله أعلم ـ أن الفريقين جانبا الأسلوب العلمي الصحيح في النظر إلى الآراء، لكن لعل ‏من عذر هؤلاء الغاضبين أنَّ الشيخ الترابي لم يقدم هذا الرأي وفقَ المنهج العلمي المعروف (الرأي، ‏دليله، ومناقشة الآخرين). ومع أني أعتقد أنَّ لفضيلة الشيخ الترابي، وأمثاله من العلماء أن يتبنوا ‏من الآراء ما يرونه صواباً وموافقاً للشريعة، وفق الضوابط العلمية الصحيحة، سواء أخالف ‏ادعاءات الإجماع، أم وافقها، فإن كنت أتمنَّى على فضيلته ـ حين يتبنَّى رأياً كهذا ـ أن يقدم للقراء ‏مسوغات هذا الرأي، ومناقشته لآراء الآخرين. ثم للعلماء ـ فيما بعد ـ أن يناقشوا هذا الرأي، ‏فيقبله من يقبله، ويرفضه من يرفضه. ‏

لكن الذي حصل أنَّ الشيخ الترابي نشر رأيه هذا في لقاء صحفيٍّ، فكان أشبه بتفجير هائلٍ في ‏وادٍ سحيقٍ هادئٍ، وكان له صوت عالٍ صدَمَ بعضَ الآذان، وأصداءٌ تتردَّد بلغت الآفاق. ‏

واسمحوا لي أن أسارع فأطمئن الغاضبين بأنَّ أكثرَ ما يُعّزِّز الآراءَ الصحيحةَ الحقَّةَ نقدُها، ‏والهجومُ عليها، ذلك أنَّ إثارةَ مثل هذا الرأي من أمثال فضيلة الشيخ الترابي بمثابة هِزَّةٍ تدفع العلماء ‏إلى مراجعة معلوماتهم، بالبحث، والتمحيص، والتدقيق، ثُمَّ إما أن يجدوها صواباً فيكونوا قد ‏بعثوها من جديد، وعزَّزوها، وازدادوا يقينا بها، وإما أن يجدوها خلاف ذلك فيطرحوها، وبهذا ‏تبعث الحياة والحركة في العقول، وينشط البحث العلمي، وتزدهر الحركة الفقهية. ‏

إنَّ الكَيِّسَ الفَطِنَ من الناس إذا قال له أحدٌ : احذر!!! أنت على خطأ، يسارع إلى مراجعة ‏حساباته، ويتأكَّدُ من موقفه، ثم إمَّا أن يجد ذلك الْمُحَذِّرَ مخطئاً، فيزداد ثقةً بنفسه، أو يجده ‏مصيباً فيتدارك أمره، ويصوب خطأه. أمَّا النوع الآخر من الناس، فإنَّ إعجابه بنفسه، وانغلاقه ‏على معارفه، يصرفانه عن مراجعة نفسه، ويكون همُّه ردَّ العيب إلى المقابل، ومقابلته باتهامات ‏مضاعفة، وينتهي الأمر! ‏

وأعتقد أنَّه لا يخشى النقد، والخلافَ ويضيقُ بهما ذرعاً، ويتأفّفُ منهما، إلاَّ صاحبُ فكرٍ ‏منغلقٍ، ورأيٍ هشٍّ، لم يُبْنَ على أساسٍ متينٍ، ولم يُشيَّد على أصولٍ من القواعد العلمية الصحيحة.‏

كما أني أسارع فأذَكِّر الغاضبين بأنَّ في تراثنا الفقهيِّ أقوالاً كثيرةً جداً مخالفةً لظاهر القرآن ‏الكريم، أو للجمهور، أو للإجماع الْمُدَّعَى، عرضها علماؤنا السابقون في كتبهم، ونعرضُها في ‏بحوثِنا، ونقف عندها ونناقشها، دون أن نتهجم على أصحابها، أو نتهمهم بالابتداع، فهل إبداءُ ‏الرأي حلالٌ على أولئك السابقين من علمائنا حرامٌ على اللاحقين منهم؟

إنَّ الرأي الصادر من فضيلة الشيخ الترابيِّ دفعني إلى أقلبَ جميع أنواع الكتب في مكتبتي ‏‏(تفسيرها، حديثها، وفقهها) وأخذت أجمع ما أجده من مادة علمية لها اتصال بهذا الموضوع، ‏لأكتب بحثاً في هذا الموضوع، إما يزيدني يقيناً بما أنا عليه من رأيٍ، وإما أن يتبين لي صحة ما ‏ذهب إليه الشيخ الترابي، وفي الحالتين مكسبٌ. ‏

وأسارع ـ أيضاً ـ فأذكر المسلمين بأنَّ الله ـ عزَّ وجلَّ ـ أنعم علينا بدينٍ يشجع العلماء على أن ‏يجتهدوا، ويقولوا رأيهم، ويبتعدوا عن التقليد الأعمى، إنَّنا اعتدنا في مسارح هذه الدنيا على أنَّ ‏من يجيب جواباً صحيحاً، فإنه مؤهل لأن يأخذ جائزة، لكنَّ ديننا يعطي جائزةً لكلِّ محاولٍ، وإن ‏أخطأ، فهو يعطي الجائزة للمصيب والمخطئ : ((إذا اجتهد القاضي فأصاب فله أجران، وإن أخطأ ‏فله أجر)). هل هناك دعوة أشدُّ تحفيزاً إلى الاجتهاد، والتحرر من التقليد الأعمى من هذه الدعوة؟

ثم هل يجوز لنا بعد أن أعطى الله ـ عزَّ وجلَّ ـ جائزة لهذا المخطئ ـ وخطؤه حسبما نرى ـ أن ‏نتهمه بالابتداع ؟ ربنا يبارك عمله، ويتقبله، ويعطيه أجراً على ما بذل من مجهودٍ، ونحن نكيل له ‏التهم؟

ألا ترون أنَّ في هذا افتياتاً على حكم الله ـ عزَّ وجلَّ ـ وتضييقاً لسعة هذا الدين، وجنايةً على ‏العقول، ودعوةً إلى الجمود، وتخويفاً للعلماء أن يتجرؤوا فيقولوا رأياً مخالفاً لما عهدناه، وإرهاباً ‏فكرياً، وتعقيماً لهذه الأمة أن تلد مبدعين! ‏

إنَّ في تاريخنا علماء كباراً كان بإمكانهم أن يجتهدوا، ويقدموا لنا الجديد، لكنهم آثروا ‏السلامة من الدخول في معترك كهذا، وأبقوا على أنفسهم مختبئين تحت مظلةِ مجتهدٍ من المجتهدين، ‏فوصلنا ترديدُهُم، وحُرِمْنا تجديدَهُم! ‏

وهناك علماء آخرون لم يرضوا لأنفسهم الانضواء تحت خيمة أحدٍ، إلا خيمة ربِّ العالمين، ‏فكانت عاقبتهم : أن سُجِنُوا، وعُذِّبُوا، وحُرِقَت كتبُهم، وطيف بهم في الشوارع على حمارٍ، ‏ظهورهم إلى رأس الحمار، ووجوههم إلى ظهره! ‏

ألا ترون أنَّ فينا الكثير الآن ممن لو تمكن من الشيخ الترابيِّ لسجنه؟

إذا كانت إجابتكم بالإيجاب، فإني أخالفكم الرأي، فإنا فينا الآن الكثيرَ الكثير، ممن لو تمكن ‏من الشيخ الترابي لأراحه! ‏